الشنقيطي

434

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وسعيد بن جبير ، وأبي علي الفارسي ، والنقاش ، وأبي منصور ، وغيره من المتكلمين . والوجه الثاني في معنى الآية الكريمة : أن المعنى لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ( 42 ) أي طريقا ووسيلة تقربهم إليه لاعترافهم بفضله . ويدل لهذا المعنى قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ [ الإسراء : 57 ] الآية . ويرو هذا القول عن قتادة . واقتصر عليه ابن كثير في تفسيره . ولا شك أن المعنى الظاهر المتبادر من الآية بحسب اللغة العربية هو القول الأول ، لأن في الآية فرض المحال ، والمحال المفروض الذي هو وجود آلهة مع اللّه مشاركة له لا يظهر معه أنها تتقرب إليه ، بل تنازعه لو كانت وجودة ، ولكنها معدومة مستحيلة الوجود . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ( 45 ) [ 45 ] في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير : الأول - أن المعنى : وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا ؛ أي حائلا وساترا يمنعهم من تفهم القرآن وإدراكه لئلا يفقهوه فينتفعوا به . وعلى هذا القول - فالحجاب المستور هو ما حجب اللّه به قلوبهم عن الانتفاع بكتابه . والآيات الشاهدة لهذا المعنى كثيرة ؛ كقوله : وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ ( 5 ) [ فصلت : 5 ] ، وقوله : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [ البقرة : 7 ] الآية ، وقوله : إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ [ الكهف : 57 ] الآية . إلى غير ذلك من الآيات ، وممن قال بهذا القول في معنى الآية : قتادة والزجاج وغيرهما . الوجه الثاني في الآية - أن المراد بالحجاب المستور أن اللّه يستره عن أعين الكفار فلا يرونه . قال صاحب الدر المنثور في الكلام على هذه الآية ؛ أخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم وصححه ؛ وابن مردويه ، وأبو نعيم والبيهقي « 1 » معا في الدلائل عن أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه عنهما قالت : لما نزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [ المسد : 1 ] أقبلت العوراء أم جميل ولها ولولة وفي يدها فهر وهي تقول : مذمما أبينا . . . ودينه قلينا * . . . وأمره عصينا ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالس ، وأبو بكر رضي اللّه عنه إلى جنبه ، فقال أبو بكر رضي اللّه عنه : لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك ؟ فقال : « إنها لن تراني » وقرأ قرآنا اعتصم به ؛ كما قال تعالى : وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ( 45 ) . فجاءت حتى قامت على أبي بكر رضي اللّه عنه فلم تر النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالت : يا أبا بكر ، بلغني

--> ( 1 ) دلائل النبوة 2 / 195 .